في التاسع والعشرين من يناير (بتوقيت بكين)، أعلن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) الإبقاء على نطاق هدف سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية دون تغيير بين 3.5% و3.75%. تمثل هذه الخطوة أول توقف لمجلس الاحتياطي الفيدرالي عن خفض أسعار الفائدة بعد ثلاث تخفيضات متتالية منذ النصف الثاني من عام 2025.
قرار السياسة
تم تمرير أول قرار للفائدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي لعام 2026 بأغلبية 10 أصوات مقابل صوتين معارضين. حيث صوت كل من المحافظين ستيفن ميلان وكريستوفر والر ضد القرار، مطالبين بخفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.
وفي بيانه، أشار الاحتياطي الفيدرالي إلى أن الاقتصاد الأمريكي "ينمو بوتيرة قوية"، مع استمرار نمو الوظائف بوتيرة منخفضة، إلا أن البطالة تظهر علامات على الاستقرار. كما أقر مجلس اللجنة الفيدرالية بأن التضخم "لا يزال مرتفعًا إلى حد ما"، وأكد مجددًا التزامه بإعادة التضخم طويل الأجل إلى هدف 2%.
أبرز ما جاء في الاجتماع
عُقد هذا الاجتماع في ظل ظروف استثنائية. فلم يتبق لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول سوى اجتماعين للسياسة قبل انتهاء ولايته. في الوقت ذاته، يواجه المجلس ضغوطًا سياسية وقانونية غير مسبوقة، حيث أصدرت وزارة العدل الأمريكية مذكرة استدعاء بشأن مشروع تجديد مقره في واشنطن.
وخلال المؤتمر الصحفي، أدلى باول بتصريح غير معتاد في قوته: "استقلالية البنك المركزي هي حجر الأساس للديمقراطية الحديثة… يجب ألا تكون السياسة النقدية تحت السيطرة المباشرة للمسؤولين المنتخبين". كما نصح بأن "على الرئيس القادم أن يبتعد عن السياسة".
التقييم الاقتصادي
تقييم الاحتياطي الفيدرالي للوضع الاقتصادي الحالي يتسم بالتعقيد. فقد صرح باول بأن الاقتصاد الأمريكي قائم على "أساس متين"، وبعد بعض التباطؤ، "قد يكون سوق العمل في طريقه للاستقرار". كما أقر بوجود ضعف مستمر في سوق الإسكان، وأشار إلى أن التضخم في السلع خارج قطاع الخدمات لا يزال يشكل مصدر ضغط رئيسي.
ومن اللافت أن باول أوضح أن معظم تجاوز التضخم يعود إلى الرسوم الجمركية وليس الطلب. فباستثناء تأثير الرسوم الجمركية، فإن مؤشر الإنفاق الاستهلاكي الأساسي (Core PCE) يزيد قليلًا عن 2%. وإذا بلغ التضخم الناجم عن الرسوم الجمركية ذروته ثم تراجع، فقد ينظر المجلس في تيسير السياسة النقدية.
آفاق السياسة
أكد باول أن السياسة النقدية لا تتبع مسارًا محددًا مسبقًا، وأن القرارات المستقبلية ستكون "معتمدة بالكامل على البيانات". وأشار إلى أن ضغوط الأسعار الناتجة عن الرسوم الجمركية من المتوقع أن تبلغ ذروتها في منتصف عام 2026 ثم تبدأ في التراجع تدريجيًا. وخلال جلسة الأسئلة والأجوبة، أوضح باول: "لا أحد يتوقع رفع سعر الفائدة في الاجتماع القادم؛ فرفع الفائدة ليس السيناريو الأساسي لأي طرف".
ولا تزال توقعات السوق بشأن مسار سياسة الاحتياطي الفيدرالي المستقبلية منقسمة. فوفقًا لأداة CME FedWatch، هناك احتمال بنسبة 13.5% لخفض سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في مارس 2026، بينما تبلغ احتمالية الإبقاء على الأسعار دون تغيير 86.5%.
تأثير القرار على الأسواق
تفاعلت الأسواق التقليدية بشكل حاد مع قرار الاحتياطي الفيدرالي. فبعد الإعلان، انخفضت أسعار الذهب الفوري في البداية ثم ارتفعت إلى مستوى قياسي جديد، حيث تجاوزت التقلبات 60 دولارًا ووصلت مؤقتًا إلى 5,500 دولار للأونصة. وأغلق الذهب الفوري في لندن مرتفعًا بنسبة 4.6% عند 5,557.02 دولار للأونصة.
تحرك مؤشر الدولار الأمريكي في الاتجاه المعاكس، بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية بشكل طفيف. وتتوقع إدارة الأصول في بنك جولدمان ساكس أن الاحتياطي الفيدرالي قد يستأنف خفض أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام، متوقعة خفضين "تطبيعيين" خلال العام بأكمله.
استجابة سوق العملات الرقمية
استجاب سوق العملات الرقمية فورًا لقرار الاحتياطي الفيدرالي. فقد شهدت أسعار البيتكوين تقلبات قصيرة المدى عقب الإعلان. ووفقًا لبيانات سوق Gate، بلغ سعر البيتكوين في التاسع والعشرين من يناير 87,868.6 دولارًا، بانخفاض قدره 1.42% خلال 24 ساعة. وشهدت الإيثيريوم اتجاهًا مشابهًا، حيث يتم تداولها حاليًا عند 2,951.05 دولارًا، بانخفاض 1.85% خلال 24 ساعة.
ويرى المحللون أن توقف الاحتياطي الفيدرالي عن خفض الفائدة قد يكون له تأثيرات معقدة على سوق العملات الرقمية. فمن جهة، قد يؤدي الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة إلى تقليل الطلب على الأصول ذات المخاطر؛ ومن جهة أخرى، قد تدعم توقعات خفض الفائدة في المستقبل أسعار العملات الرقمية.
ومن الجدير بالذكر أن بنية السوق للعملات الرقمية لا تزال مستقرة. حيث تبلغ القيمة السوقية للبيتكوين 1.76 تريليون دولار، ما يمثل 56.29% من إجمالي السوق؛ بينما تبلغ القيمة السوقية للإيثيريوم 35.369 مليار دولار، بحصة سوقية تبلغ 11.30%.
التوقعات المستقبلية
لا يزال الاحتياطي الفيدرالي يتوخى الحذر بشأن التوقعات الاقتصادية لعام 2026. فقد ذكر المجلس أن حالة عدم اليقين حول التوقعات الاقتصادية "لا تزال مرتفعة"، وأنه سيراقب عن كثب المخاطر المتعلقة بمهمته المزدوجة. ووصف باول موقف السياسة الحالي بأنه "في الحد الأعلى للنطاق المحايد". كما أشار إلى أنه إذا بلغ التضخم الناجم عن الرسوم الجمركية ذروته ثم تراجع، فسيكون ذلك إشارة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لتيسير السياسة النقدية.
ويشير المحللون إلى أنه ما لم يشهد سوق العمل تدهورًا كبيرًا، فقد يتأخر خفض الفائدة القادم إلى ما بعد انتهاء ولاية باول. وتقوم الأسواق حاليًا بتسعير نحو 46 نقطة أساس من خفض الفائدة طوال عام 2026، مع احتمال بنسبة 60% لخفض الفائدة في يونيو.
كما تقوم أسواق العقود الآجلة بتسعير نحو 46 نقطة أساس من خفض الفائدة لعام 2026، لكن مسار سياسة الاحتياطي الفيدرالي لا يزال غير مؤكد إلى حد كبير. وقد جدد باول التأكيد: "لا يوجد مسار محدد مسبقًا للسياسة". وقد سجلت أسعار الذهب مستويات قياسية جديدة، متجاوزة 5,500 دولار للأونصة، بينما شهد سوق العملات الرقمية تعديلات قصيرة المدى عقب القرار. وعلى منصة Gate، بلغ حجم تداول البيتكوين خلال 24 ساعة 1.1 مليار دولار، مع استمرار قوة السيولة السوقية. وبغض النظر عن تقلبات السوق، فقد أوضح الاحتياطي الفيدرالي نهجه القائم على البيانات للمستثمرين العالميين، وتؤكد حساسية سوق العملات الرقمية تجاه السياسة النقدية العالمية مرة أخرى على دوره الفريد في النظام المالي الحديث.




