من قبل الحائز على جائزة تورينج، والباحث السابق في شركة ميتا والرئيس السابق لقسم الذكاء الاصطناعي، يان ليكونن (Yann LeCun)، تأسست شركة الأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي، “أدفانسد ماشين إنتيليجنس” (AMI)، وقد أتمت مؤخرًا جولة تمويل أولية ضخمة بقيمة حوالي 1.03 مليار دولار (ما يعادل حوالي 890 مليون يورو). وتقدر قيمة الشركة بنحو 3.5 مليار دولار، حيث وصلت خلال ثلاثة أشهر فقط إلى مستوى اليونيكورن. ويُظهر ذلك أن السوق المالية تراهن على مسار مختلف عن مسار نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) التي تهيمن عليها شركات مثل OpenAI وAnthropic.
في السنوات الأخيرة، اختار اثنان من الشخصيات البارزة في مجال الذكاء الاصطناعي، يان ليكونن و"الأم" في هذا المجال، لي فاي فاي (Fei-Fei Li)، الاعتماد على بنية الذكاء الاصطناعي الجديدة المعروفة باسم “نموذج العالم” (World Model). النموذج السائد حاليًا لنماذج اللغة الكبيرة يعتمد على قواعد بيانات ضخمة وعلاقات إحصائية لفهم السياق وتوقع الكلمة التالية. فهو يعرف أن الكلمات “تفاحة تسقط” تظهر غالبًا معًا، لكنه لا يفهم فعليًا مفاهيم الجاذبية أو العلاقات السببية في العالم الفيزيائي.
هذه النماذج تؤدي أداءً ممتازًا في توليد النصوص، والمساعدة في البرمجة، والمهام التي تتطلب الإجابة على الأسئلة، لكنها تظل محدودة من حيث فهم بنية العالم الحقيقي، وإجراء الاستنتاجات السببية، والتخطيط على المدى الطويل. والأهم من ذلك، أن مصدر البيانات يتناقص تدريجيًا. يعتمد تدريب نماذج اللغة الكبيرة بشكل كبير على بيانات بشرية عالية الجودة، ومع مرور الوقت، بدأت الصناعة تحذر من أن الموارد النصية البشرية المتاحة قد تنفد خلال سنوات قليلة. وعندئذ، سيكون النموذج مثل الكائنات التي تتكاثر بشكل قريب من الأقارب، مما قد يؤدي إلى انتقال عيوب وراثية، وفي النهاية، إلى انحراف النموذج عن الواقع وتدهور أدائه.
حقق يان ليكونن من خلال شركته “أدفانسد ماشين إنتيليجنس” (AMI) جولة تمويل أولية بقيمة 1.03 مليار دولار، خلال ثلاثة أشهر فقط، ليصل إلى تقييم يونيكورن
شركة الأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي التي أسسها يان ليكونن، الحائز على جائزة تورينج والرئيس السابق لقسم الذكاء الاصطناعي في ميتا، أكملت مؤخرًا جولة تمويل أولية ضخمة بقيمة حوالي 1.03 مليار دولار (حوالي 890 مليون يورو). بعد إتمام الجولة، بلغت قيمة الشركة حوالي 3.5 مليار دولار، ولم يمضِ على تأسيسها سوى أقل من ثلاثة أشهر، مما جعلها واحدة من أكبر جولات التمويل الأولي في أوروبا، ووصفها العديد من وسائل الإعلام بأنها واحدة من أكبر جولات التمويل الأولي على الإطلاق في التاريخ الأوروبي.
الهدف هو تطوير الجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي، والمعروفة باسم “نماذج العالم” (World Models)، لتمكين الذكاء الاصطناعي من فهم واستنتاج العالم الحقيقي، وليس مجرد توقع الكلمة التالية.
وقد قادت هذه الجولة عدة مؤسسات استثمارية، من بينها Cathay Innovation، Greycroft، Hiro Capital، وHV Capital، كما جذبت مشاركة العديد من الشركات التقنية والصناعية الكبرى. من بين المستثمرين الاستراتيجيين، توجد شركات مثل Nvidia، تويوتا، وسامسونج. بالإضافة إلى ذلك، شارك جيف بيزوس من خلال مؤسسته العائلية للاستثمار، “بيزوس إكسبيديشنز” (Bezos Expeditions).
ومن الجدير بالذكر أن حجم هذه الجولة التمويلية الأولية غير مسبوق في تاريخ ريادة الأعمال في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يعكس استعداد السوق المالي لدفع علاوات عالية على الأبحاث التي تتبع مسارات غير نماذج اللغة الكبيرة.
“أدفانسد ماشين إنتيليجنس” تركز على نموذج العالم، وما هي عيوب نماذج اللغة الكبيرة
التركيز البحثي الرئيسي لشركة “أدفانسد ماشين إنتيليجنس” هو على “نماذج العالم” (World Models)، وهو نوع من النماذج التي تسمح للذكاء الاصطناعي بتعلم بنية العالم الفيزيائي والعلاقات السببية فيه. الفرق بين “نماذج العالم” والنماذج الحالية لنماذج اللغة الكبيرة واضح جدًا. فهذه الأخيرة تعتمد على قاعدة بيانات ضخمة لفهم السياق، وتنتج المحتوى استنادًا إليها. فهي تعرف أن الكلمات “تفاحة تسقط” تظهر غالبًا معًا، لكنها لا تفهم فعليًا مفهوم الجاذبية.
والأسوأ من ذلك، أن نماذج اللغة الكبيرة تعتمد على تغذية البيانات لتدريبها. ومع ذلك، فإن البيانات البشرية عالية الجودة تُستهلك بسرعة، والآن بدأت الصناعة تعتمد على البيانات الاصطناعية (Synthetic Data). لكن إذا استمر الذكاء الاصطناعي في التعلم من المحتوى الذي ينتجه بنفسه، فسيحدث ما يُعرف بـ “تأثير هابسبورغ” (Habsburg Effect). فالنماذج التوليدية التي تعيد تدريب نفسها باستخدام بياناتها الخاصة تتكرر، وهو مشابه لانتقال الأمراض عبر التزاوج القريب، مما يؤدي إلى تراكم العيوب الوراثية. وحتى في الظروف المثالية، ستبدأ النماذج في نسيان الواقع تدريجيًا، وفي النهاية تتدهور أداؤها.
(دراسة من كامبريدج: بحلول عام 2026، ستُستهلك جميع بيانات البشر من قبل نماذج اللغة الكبيرة، مما قد يؤدي إلى انهيار الذكاء الاصطناعي بسبب “ظاهرة هابسبورغ”)
أما النظام الذي تطوره شركة “أدفانسد ماشين إنتيليجنس” فهو يبني تمثيلات مجردة للعالم (representation)، ويتجاهل التفاصيل غير المتوقعة، ويقوم بالتنبؤ والاستنتاج داخل فضاء التمثيل. إنهم يطورون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة قادرة على فهم العالم، وامتلاك ذاكرة دائمة، وإجراء الاستنتاجات والتخطيط، بطريقة قابلة للتحكم وآمنة. وسيواصل بحثهم النهج الذي اقترحه يان ليكونن خلال فترة عمله في “ميتا” مع مشروع “جيبا” (JEPA - Joint Embedding Predictive Architecture).
وبصفتهم روادًا من خلفية أكاديمية، كيف يختلف “أدفانسد ماشين إنتيليجنس” عن “وورلد لابز” (World Labs)
شركة “أدفانسد ماشين إنتيليجنس” (AMI) التي يقودها يان ليكونن، تتشابه في بعض الجوانب مع شركة “وورلد لابز” (World Labs)، التي أسستها عالمة أخرى تُعرف بـ “الأم” في مجال الذكاء الاصطناعي، لي فاي فاي (Fei-Fei Li). ففي عام 2024، أسست لي فاي فاي شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وأصبحت الرئيسة التنفيذية لها. وتتمركز الشركة حول تطوير نماذج أساسية متقدمة ومنتجات، بهدف بناء “نماذج عالمية ضخمة” (Large World Models - LWM). بحيث لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على التحدث أو رؤية الصور، بل يمكنه فهم، وتوليد، وإجراء استنتاجات وتفاعلات داخل عالم ثلاثي الأبعاد.
(من هي الأم في مجال الذكاء الاصطناعي، لي فاي فاي؟ شركة “وورلد لابز” الناشئة التي حصلت على تمويل بدعم من شركة “نيفيديا” و"إيه إم دي")
تمكين النموذج من فهم البنية الثلاثية الأبعاد والعلاقات بين الأجسام من خلال الصور أو الفيديو، وتوليد مشاهد ثلاثية الأبعاد يمكنها التحرك بحرية، وإجراء استنتاجات ومحاكاة داخل الفضاء الافتراضي، لتوفير أساس لروبوتات الذكاء الاصطناعي والأفعال المادية.
مؤسسو “أدفانسد ماشين إنتيليجنس” و"وورلد لابز"، يان ليكونن (Yann LeCun) و"لي فاي فاي" (Fei-Fei Li)، يركزون على تقنيات مثل JEPA، والذكاء الفضائي العام، والنماذج الثلاثية الأبعاد، مع مراحل إنتاجية، حيث لا توجد منتجات ناضجة بعد، ولكن أُطلقت أداة توليد ثلاثية الأبعاد باسم “ماربل” (Marble).
وعلى نطاق أوسع، فإن مسار “نموذج العالم” يعتقد أن الروبوتات ستكون وسيطًا حاسمًا جدًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
هذه المقالة تؤكد أن نماذج اللغة الكبيرة ليست نهاية المطاف للذكاء الاصطناعي! شركة “أدفانسد ماشين إنتيليجنس” (AMI) التي أسسها يان ليكونن، حصلت على تمويل بقيمة مليار دولار، وتراهن على مسار “نموذج العالم”. وأول ظهور لهذا المفهوم كان في “نيوز أب ميديا” (ABMedia).