لا تتحدث مرة أخرى عن الذهب، البيتكوين ليس أصلًا للتحوط من المخاطر

عندما ينخفض سعر البيتكوين إلى أدنى مستوياته، وعندما تتجاوز أسعار الذهب والأسهم الأمريكية مستوياتها القياسية بشكل متكرر، تعود رواية «انتقال السيولة من المعادن الثمينة إلى الأصول المشفرة» لتنتشر مرة أخرى في السوق. لم نعتمد في هذا المقال على هذا الحكم الحدسي لاتخاذ قرارات تداول، بل عدنا إلى البيانات نفسها، وفحصنا بشكل منهجي ما إذا كانت هناك علاقة طويلة الأمد قابلة للتحقق بين البيتكوين والذهب.

من خلال تحليل الارتباط والتكامل المشترك، يتضح أن البيتكوين والذهب لا يملكان علاقة استقرارية من نوع «العودة إلى المتوسط» أو «تبادل الأدوار» الهيكلية. ما يُعرف بـ«الانتقال السيولي» هو أكثر تفسيرًا لاحقًا وليس آلية سوق قابلة للتكرار والتحقق. البيتكوين ليس معدنًا ملاذًا آمنًا، وليس مؤشرًا للأسهم، بل هو سوق مستقل يتسم بتقلبات عالية وبنية لا تزال في تطور مستمر.

وأشار المقال أيضًا إلى أن تقييم قاع البيتكوين لا ينبغي أن يعتمد على محاكاته لأصول أخرى، بل على العوامل التي تحدد اتجاه السوق بشكل حقيقي، مثل مراكز التداول، وبنية المشتقات، والمشاعر السوقية. وتجارب التاريخ تظهر أن معظم القيعان الحقيقية تتشكل عندما يكون الجميع تقريبًا قد تخلى عن السوق.

وفيما يلي النص الأصلي:

السوق المشفرة حاليًا ليست نشطة جدًا. ففي حين تتجاوز أسعار الأسهم والمعادن مستوياتها التاريخية، ظل الأصول المشفرة منذ أكتوبر من العام الماضي على متن «قطار الألم».

مؤخرًا، انتشرت على الخط الزمني عبارة تقول: «السيولة تتجه من المعادن الثمينة إلى الأصول المشفرة، وسيحدث ذلك في أي لحظة». وللأسف، غالبًا ما يكون من يطلق هذا الرأي هم من المعروفين بـ«المتحدثين الفارغين» في المجال، حيث أن أرباحهم الوحيدة تأتي من العمولات التي يحصلون عليها شهريًا من منصة X.

أود أن أخصص بعض الوقت لتحليل مدى صحة هذا الادعاء حول «انتقال السيولة من المعادن الثمينة إلى الأصول المشفرة» (وللتوضيح: لا يوجد أساس حقيقي لذلك)، ثم أشارك بعض النقاط الحاسمة في تاريخ السوق المشفرة، وكيفية التعرف على تلك اللحظات.

علاقة البيتكوين بالذهب

أولًا، سؤال واضح: إذا أردنا أن نبحث عن علاقة بين قمة الذهب وأداء البيتكوين، فلابد أن يكون الذهب قد وصل إلى قمة بشكل متكرر. لكن، في الواقع، لم يحدث الكثير من القمم الحقيقية للذهب خلال العشر سنوات الماضية.

بالطبع، من الممتع أن نطلق آراءً على الإنترنت، لكن من الأفضل أن تكون مدعومة ببيانات، حتى لا نبدو كأننا حمقى تمامًا. خلال العشر سنوات الماضية، شهد الذهب ثلاث تصحيحات كبيرة نسبيًا: في 2018، 2020، و2022. أي أن هناك ثلاث نقاط بيانات فقط. ومع ذلك، فإن مجرد النظر إلى هذه النقاط يكفي لوقف البحث، لكن من أجل إكمال المقال، سننظر فيها بشكل أعمق.

عند مراجعة الرسم البياني أعلاه، ستلاحظ أن قمتين مؤقتتين للذهب حدثتا قبل هبوط البيتكوين، وهما في 2018 و2022. أما الحالة الوحيدة التي قوى فيها البيتكوين بعد تصحيح الذهب، فهي في 2020 خلال فترة «الجنون» المعروفة بـ«الميل نحو المخاطرة» (risk-on).

خلال العشر سنوات الماضية، كانت معامل الارتباط بين البيتكوين والذهب يقارب 0.8، وهو أمر ليس مفاجئًا — لأن السوقين في المدى الطويل في ارتفاع. لكن، الارتباط لا يجيب على السؤال الحقيقي الذي يهمنا.

إذا أردت أن تتحقق من وجود علاقة «تبادل الأدوار، وتناوب القوة، والعودة إلى المتوسط» بين الأصول، فإن الاعتماد على الارتباط وحده غير كافٍ، بل تحتاج إلى تحليل التكامل المشترك (cointegration).

التكامل المشترك (Cointegration)

الارتباط يقيس: هل يتحرك الأصلان معًا في تقلباتهما اليومية؟ أما السؤال الآخر فهو: هل يحافظان على علاقة مستقرة على المدى الطويل، وعند الانحراف عنها، يتم سحبهما مرة أخرى إلى المسار نفسه؟

يمكن تصور الأمر كأن شخصين مخمورين يسيران معًا إلى المنزل: قد يكونان غير مستقيمين، لكن إذا كانا مربوطين بحبل، فلن يبتعدا كثيرًا عن بعضهما. هذا الحبل هو علاقة التكامل المشترك.

إذا كانت رواية «انتقال السيولة من الذهب إلى الأصول المشفرة» ذات محتوى حقيقي، فلابد أن تظهر علاقة تكامل مشترك بين البيتكوين والذهب — بمعنى أنه عندما يرتفع الذهب بشكل حاد، ويتفوق البيتكوين بشكل واضح، يجب أن توجد قوة حقيقية في السوق تعيده إلى مسار طويل الأمد مشترك.

بالنظر إلى البيانات أعلاه، فإن الرسالة الحقيقية التي تنقلها هي أن اختبار إنجل-غرانجر (Engle–Granger) لم يكشف عن وجود علاقة تكامل مشترك بينهما.

قيمة p لكل العينة كانت 0.44، وهي أعلى بكثير من الحد المعتاد 0.05. وعند النظر إلى النوافذ ذات العامين المتحركين، لم يظهر أي منها علاقة تكامل مشترك عند مستوى دلالة 5%. بالإضافة إلى ذلك، فإن الفارق في السعر (الفرق بين السعرين) غير مستقر أيضًا.

أما بالنسبة لنسبة البيتكوين إلى الذهب، فهي تبدو «متفائلة» بعض الشيء، لكن ليست جيدة جدًا. عند إجراء اختبار ديكي-فولر الموسع (ADF) على هذا النسبة، كانت النتيجة على حافة الاستقرار (p = 0.034)، مما يشير إلى وجود خصائص ضعيفة جدًا للعودة إلى المتوسط. لكن المشكلة أن نصف عمر العودة (Half-life) لهذا الفرق هو حوالي 216 يومًا، أي ما يقارب 7 أشهر — وهو بطيء جدًا، ويختفي تقريبًا وسط الضوضاء.

من المستويات الحالية، سعر البيتكوين يعادل تقريبًا 16 أونصة من الذهب، وهو أعلى بنسبة 11% من المتوسط التاريخي البالغ 14.4. قيمة z-score تساوي -2.62، ومن منظور تاريخي، يبدو أن البيتكوين «مُخفض السعر» مقارنة بالذهب.

لكن الأهم هنا هو أن هذا الرقم يتأثر بشكل كبير بارتفاع الذهب الأخير بشكل تصاعدي، وليس بسبب وجود علاقة موثوقة تعيده إلى المتوسط.

في الواقع، لا توجد علاقة تكامل مشترك قوية. فهما في جوهرهما أصلان مختلفان تمامًا: الذهب هو أصل ملاذ آمن ناضج، والبيتكوين هو أصل عالي التقلب، وهو مجرد سوق مستقل يتجه نحو الارتفاع في نفس الفترة.

إذا لم تكن على دراية بما يُقال أعلاه، فإليك ملخصًا سريعًا في علم الإحصاء:

اختبار إنجل-غرانجر هو الطريقة القياسية لتحديد وجود علاقة تكامل مشترك. يتم أولًا بإجراء انحدار بين الأصلين، ثم اختبار ما إذا كانت بقايا الانحدار (أي «الفارق» بينهما) مستقرة — تتذبذب حول متوسط ثابت، وليس تتجه بلا توقف. إذا كانت البقايا مستقرة، فذلك يدل على وجود علاقة تكامل مشترك.

اختبار ديكي-فولر الموسع (ADF) يُستخدم للتحقق مما إذا كانت السلسلة الزمنية مستقرة. وهو في جوهره اختبار لوجود «جذر الوحدة»، والذي يعني أن السلسلة إما تتجه بشكل تصاعدي أو تعود إلى المتوسط. إذا كانت قيمة p أقل من 0.05، يمكنك رفض فرضية وجود جذر الوحدة، وتأكيد أن السلسلة مستقرة، أي أن هناك عودة إلى المتوسط.

نصف العمر (Half-life) يصف مدى سرعة عودة الفرق إلى المتوسط. إذا كان نصف العمر 30 يومًا، فهذا يعني أنه بعد أن يتباعد، يستغرق حوالي شهر لنصف الانحراف أن يُصلح. نصف العمر القصير يعني وجود فرصة للتداول؛ والنصف الطويل يعني أن الأمر لا يتعدى «الصلاة على أمل أن يعود السوق إلى وضعه الطبيعي».

في النهاية، أعتقد أن محاولة فرض علاقة بين البيتكوين وأصول مالية تقليدية أمر غير منطقي في حد ذاته. غالبًا، يستخدم الناس هذا التفسير أو ذاك ليوافقوا على الرواية التي يفضلونها: فاليوم البيتكوين هو «الذهب الرقمي»، وغدًا قد يتحول إلى «ناسداك مع الرافعة المالية».

وعلى العكس، فإن الارتباط مع سوق الأسهم أكثر واقعية. خلال الخمس سنوات الماضية، كانت قمم وقيعان البيتكوين تتزامن بشكل كبير مع مؤشر S&P 500 (SPX) — حتى الآن، لا يزال SPX قريبًا من أعلى مستوياته التاريخية، بينما البيتكوين قد تراجع بنسبة 40% من أعلى نقطة له.

لهذا السبب، من الأفضل أن تعتبر البيتكوين ككيان مستقل. فهي ليست معدنًا، ولا أحد يضع أصولًا ذات تقلبات سنوية تتجاوز 50% كملاذ آمن (مقارنة، تقلب الذهب السنوي حوالي 15%، ومع ذلك يُعتبر من الأصول ذات التقلب العالي). كما أنها ليست مؤشر أسهم، فبيتكوين لا تحتوي على مكونات أسهم، بل هي مجرد رمز برمجي.

على مر السنين، تم إقحام البيتكوين في العديد من الروايات: أداة دفع، مخزن قيمة، الذهب الرقمي، احتياطي عالمي، وغيرها.

هذه الادعاءات تبدو جميلة، لكن الواقع أن السوق لا يزال ناشئًا جدًا، ومن الصعب أن نؤكد أنه يمتلك، بخلاف «الأصول المضاربة»، استخدامات واضحة ومستقرة.

وفي النهاية، أن تعتبر البيتكوين أصلًا مضاربًا ليس خطأ، المهم هو أن تظل واعيًا وواقعيًا بشأن ذلك.

القاع

للحصول على قاع موثوق ومستقر للبيتكوين، الأمر شديد الصعوبة — وبالطبع، لا يوجد سوق سهل. لكن المشكلة مع البيتكوين أنها تتغير بسرعة كبيرة، لدرجة أن أشكالها التاريخية أصبحت أقل فائدة كمراجع.

قبل عشر سنوات، كانت بنية سوق الذهب وS&P 500 مشابهة إلى حد كبير، لكن في 2015، كانت إحدى الاستخدامات الرئيسية للبيتكوين هي شراء الهيروين عبر الإنترنت.

وقد تغير هذا تمامًا. اليوم، المشاركون في السوق أكثر «جدية»، خاصة بعد زيادة حجم العقود الآجلة والخيارات على البيتكوين في CME في 2023، وإطلاق صناديق ETF على البيتكوين في 2024، مما أدى إلى دخول المؤسسات بشكل كبير وواسع.

البيتكوين سوق شديد التقلب. وإذا كان هناك استنتاج يمكن أن نثق به، فهو أن القيعان غالبًا ما تصاحب ردود فعل مفرطة على المشتقات المالية وعمليات «الضغط الجماعي».

هذه الإشارات تظهر في مؤشرات أصلية مثل حجم العقود المفتوحة (open interest) ومعدلات التمويل (funding rates) التي تتقلب بشكل حاد؛ وأيضًا في مؤشرات أكثر تنظيمًا، مثل انحراف خيارات السوق (options skew) وتدفقات صناديق ETF غير الطبيعية.

لقد أنشأتُ مؤشرًا يجمع هذه الإشارات في حالة مركبة (composite regime) لمتابعتها (وأعتذر، هذا المؤشر غير متاح حاليًا للجمهور). من خلال الرسم، نلاحظ أن المناطق المميزة باللون الأحمر غالبًا ما تتوافق مع فترات مشاعر سوقية منخفضة جدًا: انخفاض العقود المفتوحة، وتحول معدلات التمويل إلى السلبية، ودفع المتداولين لاقتراض مبالغ عالية مقابل خيارات البيع، وزيادة تقلبات السوق الفعلية فوق التوقعات.

وفي الوقت نفسه، على الرغم من أن العلاقة بين السعر والتقلب في البيتكوين لا تزال غير واضحة تمامًا، إلا أنها تظهر بشكل متزايد خصائص مشابهة لمؤشرات الأسهم.

الخلاصة

إذا كنت تبحث عن «نقطة دخول، وقف خسارة، وجني أرباح»، فآسف، لن أتمكن من إرضائك (وفي الحقيقة، لست آسفًا جدًا).

الهدف من هذا التحليل هو توضيح حقيقة تبدو واضحة، لكنها غالبًا ما تُغفل: أن البيتكوين سوق مستقل. في بعض المراحل، يشبه الذهب، وفي أخرى، يشبه الأسهم، لكن من الأساس، لا يوجد سبب منطقي يدعو إلى تزامن حركته مع أصول أخرى على المدى الطويل.

إذا كنت تراقب السعر وهو يتراجع باستمرار، وتحاول تحديد متى يكون القاع، فبدلاً من محاكاة أصول أخرى، من الأفضل أن تركز على البيانات التي تهم السوق فعليًا. فراقب مراكز التداول — فهي غالبًا تحكي القصة الأكثر صدقًا ومرارة.

ولا تنسَ أن معظم القيعان الحقيقية تتشكل عندما يكون الجميع تقريبًا قد استسلم.

BTC‎-0.32%
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • تثبيت